هذيان الشعر الذي يحاول قول المواجع كلّها…!
حسن بن عثمان ***عن جريدة الصحافة
بالنسبة لي فإن الكتابة عن سليم دولة ليست بالعملية السهلة أبدا، لأنها لا يمكن أن تكون محايدة إطلاقا، ومن هنا عسرها تحديدا. فسليم دولة، كما عرفته، ينتمي للذاتي والخاص فيّ، صديقا صدوقا نافرا، محبا ومؤذيا ومستكبرا وباذلا في كل أحواله أفضل أو أخبث ما عنده. هو أستاذ للفلسفة وباحثا فيها وكاتبا ومشاغبا وقصوويا ولا يصنّف، لا أكاديميا ولا هامشيا ولا عصاميا، وله أقوال بيضاء مسمومة تشكل ترياقا مميتا أو شافيا حسب من يستمع إليه. أقواله المحيطة بالمعاني وبالتراث وبالمعرفة الحديثة يوزعها بأستاذية وبسخاء غفل أو ماكر، بطيبة أو بغير اكتراث، على كل من يرغب فيها. تعلمت منه شذرات من اللغة وسوانح فلسفية كلما أمكن ذلك، كما تعلم منه الكثير من مجايليّ الذين صار لهم شأن كبير في الكثير من المواقع. إنه معلّم جيل تونسي، وهو بالقدر نفسه ينتمي، حسّا وجسدا وذهنا ومعرفة، للوطني وللمعنى، بشموليتهما الكونية، وسياقهما الكليّ، وفاعليتهما الحادّة المحدّدة.
سليم دولة هو ما نعرف ونعلم وهو ما لا نعرف ولا نعلم، وليس في هذا أحجية ما، ولا تلغيزا. ولست هنا بصدد البوح والاستباحة، ولا في مجال التأريخ ولا السير الذاتية، وسأكتفي بهذا القدر من التخطيط الأولي جدّا لملامح شخصية ثقافية تونسية مثيرة وديناميكية على أكثر من صعيد. وذلك عملا بلازمة في كتاب سليم دولة الشعري الجديد: كفى، يكفي.
«كتاب ديلانو/ شقيق الورد» صدر في طبعته الأولى سنة2008 عن منشورات فتى نيربا، على الحساب الخاص، حسب تقديري.
يكفي، كفى. كفى، يكفي. لازمة من لوازم نصوص سليم الدولة الشعرية، وكأنه يقول لنا عبرها أن مرحلة الكتابة التي نحن فيها لا يلزمها سوى ما يكفي، وليس أقدر من الشعر، ومن هذيان الشعر ولغوه وغلوائه، ما يكفي. الشعر هنا كتكثيف ولعب واختزال وقطع متلاحق للكلام كي لا يتحول إلى سرد أو تنظير أو تبليغ. والشعر هنا أيضا بصفته الغنائية حين تعشق الذات ذاتها وتتكلم عنها، وتدخل معها في مرايا متعاكسة، عبر تداع متواصل لا حدود لتواصله، سوى استفاقة على فواجع الذات نفسها ومحيطها المؤلم وتساقط مريع لمرجعياتها الذاتية والمعرفية والمكانية، من الأم إلى بغداد إلى فلسطين إلى أمريكا، ومن الفلاسفة إلى الشعراء إلى الحكماء إلى المنظرين والمتصوفين والخارجين عن المألوف، وذلك دون ترتيب منّي في الأسماء والمقامات، ولا من شعر سليم دولة.
نجد سليم دولة كما كان حاله منذ ربع قرن، وجودا وإنباء عن الوجود، هنا وهناك وهنالك وهنيك، وحذو أهلنا وأهاليك ومهالكك وسائليك. شعره ينبع من التشتت ومن الأوجاع وانقلاب الذات على ذاتها، وانعطافها على تاريخها الذاتي والجمعي، وحزنها واحتفائها بالأشد سوادا وقتامة في الوجود خلال تجاربه الذاتيه والجماعية والتارخية، مع المحافظة على معنويات مرتفعة، مكابرة ومتفائلة.
سليم عاشق لذاته في تجربته الحزينة السادرة في مراكمة الانكسارات التي يطلبها الشاعر ويتعقّبها ويدمن عليها. ذات شاعرة خطيرة، بل هي ليست شاعرة ولا خطيرة، إنما هي مضروبة وضاربة، وضارية في ضربها، تقول في احتمال ما تقول: الشعر قرين الشعوذة والتمائم، غواية سحرية ليس كمثلها شيء. واللغة في الشعر لغو، ليست إيقاعا ولا موسيقى ولا رقصا ولا ترنّحا، رغم أنها تذكّرنا بكل ذلك. لعلّها إكسير الحياة تَكسُرنا حين لا نتعرّف على حياة اللغات، في صلبها المكتوب والمنطوق من اللغات، حسب الإمكانيات. الشعر عالم من الرموز والعلامات البدائية الخطرة على كاتبها كما على قارئها، فيما لو لم يتمّ التصرّف معها بحذر وصرامة.
المشكلة، هل ثمّة مشكلة؟ أن سليم دولة في شعره الذي نحن بصدده، مليء بالأصداء. أصداء من سحيق القول الشعري ومن حداثته، كأنه يقيم وليمة للسابقين واللاحقين ويحتفي بهم جميعا، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وعهودهم وسحناتهم، بسعدهم ونحسهم، دون أن ينسى أنه المحتفي. والقول، كل القول، شعريا كان أو نثريا أو هذيانا أو هلوسة، هو قوله. ومتى كان الشعراء، حتى وإن انحدروا من الفلسفة، متواضعين للغة ومتسامحين معها ومتساهلين؟ بل هل ثمة من فيلسوف جدير باسمه في تاريخ الفلسفة لم يكن حلوليا وكليا وعبثيا وبعثيا وصاحب قول فصل؟
من هنا تحديدا تنبع خطورة الكتابة الشعرية عند سليم دولة. إنسان فيلسوف جرحته التجارب عاطفيا، ووجوديا بالضرورة، وكابدها متذوقا مرّها وقراحها، تفادى النثر والتنظير والحذلقة، وغدا يرغب في قول لغته العالمة شعرا، وهذا اختيار صائب مصيب، لكنه يقصد إصابة من؟
الشعر للحياة ولإيقاع الحياة، وهو بلا قلب لأنه هو القلب، وحين يصبح للشعر قلب ويرغب في الغناء ويغني في اللغة، ويذكر أناه على بعض معهود الشعر العربي، فعلينا أن نتوخى الحذر، فالشعر حين ينقلب على ذاته يكون ثأريا وإنتقاميا وتصفية حسابات، وساحقا ماحقا. وهو بقدر ما يرسل من رسائل غنائية عاطفية، تحضر فيها الأنا بشكل متتابع وعال ومريع، علينا أن نقرأها كرسائل تهديد وتوسّل مخادع، تنبئ (الرسائل/ الأشعار) على ذات متأوهة متوهجة ومجروحة، لا على ذات متسامية متجاوزة، واللغة فضّاحة لمن سبق إن اختار اللغة فضيحته.
سليم دولة هو لغة في صلب اللغة، وله مقام فيها رفيع، وهذا شعره في «كتاب ديلانو/شقيق الورد» يدلّنا بوضوح على تصرفاته اللغوية وسلوكياته في العبارة ونحته في الكلام، تصريفا ونحوا في التصريف، بما يؤكّد أن سليم دولة صرّاف لغوي له قدره الكبير في هذا الشأن، وكأي صرّاف حقيقي يتعيّن أن يكون له زبائن وحرفاء منهم من يودع ومنهم من يستدين ويسحب.
أنا لي حساب جار لدى بنك سليم دولة اللغوي والمعرفي والمعنوي والروحي. وأسعى أن يكون حسابا متوازنا، دون أي نوايا من قبلي لتصفية الحساب، أي حساب كان! ولذلك لا أمنع نفسي من أن أردّد معه، على سبيل السلفة المجزاة، من كتابه الشعري:
ـ «أنا شهوة البقاء... تقاومُ
عاديات الألم الكوني»
وأثنّي على سطري سليم دولة بما قاله عن وجوده الحقيقي دون مراعاة لتوزيعه البصري الشعري في كتاب ديلانو/ شقيق الورد:
ـ «أنا زوج مكتبي/ومكتبتي زوجتي/ أشتاقها وتشتاقني/ أمرّر أناملي على شفتيها/ تكاد تعضّني كما قطيطة طفولتي/ أبادلها الإعجاب بالإعجاب/ وحيوات الخلق كتاب/ أنا الرّاسخ في الكتب/ أنا جوّاب البارات/ أقتات من أعشاب وحشتي/ أنا يتيم أمتي وابنتي/درّتي/ أنا بكّاء آخر الليل/ الليل؟/ جواد جريح/ جرح بغداد/ وأخواتها وخيانة دمي لدمي/ ينزف من خاصرتي/ أنا الذي فعلتها بي/ آخر القول!»
آخر القول؟
ذلك ممكن من ممكنات آخر القول، في حق شعر سليم دولة، وفق لغته، وإن كنت لا أرضى كما ينبغي بمثل هذه الأواخر، لأن سليم شاء الشعر لكي يختزل المسائل التي مهما كانت موهبته الشعرية في الاختصار والاختزال، فهي لن توفي حق تلك الملاحم والمصائب والمسائل والتجارب والخبرات حقّها، ولكن يظل فضله الأكيد، في نصوصه الشعرية التي نحن بصددها، أنه يؤشّر ويذكّر ويحوصل ويحدّد بعض مفاصل الأوجاع الإنسانية في ظروفنا الراهنة حتى لا ننسى.
هنا نهدي لسليم دولة قولة نقيضة للشاعر اللبناني أنسي الحاج، وسليم جدير بمقايضتها كصرّاف بارع بما يقدّره. يقول أنسي الحاج:
«بين الإرادة واللا إرادة يلبث موقف ثالث: الصمت. هو أيضاً مجال للإرادة أو الاستسلام ولكنّه يتميّز بالغموض، وربما بانتهازيّة تصهر الموقفين دون تورّط. الفلاسفة يتكلّمون والحكماء يصمتون. الفلاسفة سُذَّج والحكماء انتهازيّون.»
آخر الكلام، مرة أخيرة؟
يلاحظ أن الشاعر أنسي الحاج لم يتكلّم عن الشعراء. هل الشعراء هم في مقام الفلاسفة أم الحكماء؟ لماذا استثنى أنسي الشعراء؟ هل لأنه يتفادى التعرّض للشاعر في شخصه؟ أم ماذا؟ وهل أن سليم دولة في كتابه الجديد يختبئ وراء الشاعر لكي لا يواجه الفيلسوف فيه؟ أي لعبة غريبة ومعقّدة تلك التي يلعبها الفلاسفة والحكماء والشعراء؟
كتبها قلم رصاص في 10:54 مساءً ::
الاسم: قلم رصاص
