في أخلاق الكتابة/عن حسن بن عثمان المبدع وليس الآخر
كتبهاقلم رصاص ، في 8 نوفمبر 2009 الساعة: 08:39 ص
تأملات ساخنة
في أخلاق الكتابة
بقلم : حسن بن عثمان/ عن الصحافة
هناك كتابات يحتار القارئ حيالها لفرط انفلاتها وتخبطها، بصورة تدعو إلى التساؤل حول مدى صدورها عن دماغ يعقلها، حيث لا يستتب لها معنى ولا تدور حول فكرة من الأفكار ولا تنقاد لواعز من أخلاق ولا حصافة ولا مسؤولية، وهي في ذلك لا تبرهن على رأي أو موقف، ولا تسعى لمناهضة شيء أو نقضه أو دعمه. فضلا عن افتقارها، بداية، لبلورة فكرة وتجلية معنى وتقديم إضافة. إنها حذلقات لغوية وعشوائيات كلامية وغباوات نثرية، وخصوصا تملقات سخيفة وتمارين مهلهلة ضحلة، فضلا عن غياب سلامة الطوية والنزاهة والإحساس المتوازن لمن خطّها، وذلك ليس رجما بالغيب أو حكما على النوايا، إنما هو ببساطة ما تقوله اللغة ذاتها فضحا لصاحبها، فاللغة كما هو معروف تقول صاحبها حين يقول بها الأشياء، وفي اللحظة نفسها.
كتابات تلفّ وتدور، وتدور وتلفّ، لتأكيد المؤكد وفتح الأبواب المفتوحة ومدح الممدوح وقدح المقدوح، دون أن يحالفها التوفيق حتى في هذه المهمة البروليتارية الرثّة. وفي تلعثمها وتعثراتها تجبن عن قول شيء يخصّها أو حتى يخصّ غيرها، ويمكن فحصه والتثبت من فحواه.
وإذا كان لها من ميزة تميّزها فهي إخبارها عن نفسية كاتبها وشخصيته، وإهدارها للكلام واستخفافها بالمواضيع الجادة التي تُنتهك جديتها بإسهال واستسهال لغويين، وذلك يعود في الغالب الأعم إلى أن كاتبها بلا قيمة ولا رصيد ولا صدقية، وتلك خصال لا يمكن حيازتها بمجرد نثر الكلام أو الدخول في النقاشات وتحويلها إلى مهاترات، إنما هي خصال يقع تحصيلها بالجهد والتفاني المبذول بأريحية وتلقائية وسخاء لفائدة اللغة وأهل اللغة، لتكون الكتابة في نبلها وسموّها شهادة لوجهه تعالى بالنسبة للمؤمنين بالميتافيزيقيا (أي بالغيب) شأن عبدكم الفقير إلى ربّه الذي يعتبر الكتابة في عمقها شهادة. وهي برهان لوجهه تعالى، أيضا، بالنسبة للمؤمنين بالفيزيقا (أي بالواقع وأوثانه ولحوده)، والمتعالي هنا هو المعنى، وأنا أيضا من المؤمنين به، وأعتبر أن للغة سطوة ميتافيزيقية جبارة تمكّنها من أن تسخط من يستعملها لأغراض فاسدة ومآرب خسيسة. ومساخيط اللغة في المجتمعات كثيرون لمن يمعن النظر، ومن الأعراض التي تنتابهم هذيانهم النهاري وتعرضهم للكوابيس في منام أعينهم الليلي، فما بالك بمنام أعينهم الأبدي.
طفيليو اللغة والكتابة وجراثيمها هم أولئك الذين يصرفون الكلام وليس لهم أرصدة تخصهم، شأنهم في ذلك شأن من يصرف شيكات دون حيازة رصيد مالي في البنك، أي أنه يصرف على حساب غيره. إن التلبس بإصدار مقالات وكتابات بلا رصيد جريمة ليس لها عقوبة معلومة، ولكن لا يعني ذلك أن مقترفها سيكون في سلام مع نفسه ومع غيره، أو أنه محصّن عن تبعات ما كتب، عاجلا ثم آجلا.
من المؤكد أنني لست هنا بصدد تنزيه نفسي وتجريم الآخرين، ولا تَصدُّر موقع من له قيمة ورصيد وصدقية، ولا نسبة خصال الكتابة لما أكتب، فكل ذلك إذا صدر عن شخص ما أوقعه في المحظور الأخلاقي والمعرفي، إنما تلك خصال لا ينسبها الكاتب لنفسه إلاّ وعُدّ سفيها، ولكن تُنسب له من قبل غيره، فقط وحصريا، ومرور الزمن هو من يغربل ويفرز ويقضي.
نجتهد حسب الطاقة الجسدية والمعرفية والذوقية والمتاح من مجال الكتابة وفضاء التعبير، وفق شروط المجتمع وسطوة سلطاته المختلفة، بما في ذلك سلطة اللغة عينها وتعيّناتها، مع المحاولة باستمرار أن نبلغ السقف في ذلك، وتعليته إن أمكن، مع الإقرار دوما بمحدوديتنا وقابليتنا للخطأ، محاذرين في كل ذلك نفسنا الأمّارة بالسوء، يا لسوئها المتمادي الذي لا يُغمض له جفن، ولا يهدأ أواره، مثلها مثل كل نفوس خلق الله السويّة..!
حين تتخلى الكتابة عن أخلاقها يستشري الفساد في كل شيء، ولا أخال حالة العرب بكل صفاتها المرذولة إلا انعكاسا لحال الكثير من الكتابة التي تهاونت وتلاعبت بأخلاق الكتابة ذاتها.
إن أخلاق الكتابة لا تخص زيدا ولا عمرو من الناس، ولا مجتمعا من المجتمعات، ولم نقصد في هذا المقام التعرّض لا لزيد ولا لعمرو، رغم أن عمرو يشاغب زيدا منذ قديم الزمان وسالف العصر والأوان، وهو شغب لا يعنيني في حدّ ذاته، وإنما بما يحيل عليه من قضايا نحسبها أساسية وعابرة للأشخاص والأوقات. والله أعلم.
تعقيب المنار:
كلمة حق تصدر عن الذات المبدعة وتؤكد ان المبدع منذور الى الحقيقة رغم انشداد الكيان الى اليومي الغائم …المبدع يتجاوز ذاته في كل حين وهذا ما ننتظره من حسن بن عثمان كمبدع : ان يرمم ما يبدر من حسن بن عثمان الصحفي الذي يصارع ويجيد فنون القتال اللغوي…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























